كيف يمكن إصلاح فشل الإنترنت؟
السبت | 07/07/2018 - 08:18 صباحاً
كيف يمكن إصلاح فشل الإنترنت؟

تلفزيون السلام ـ فلسطين ـ عندما سُئل مبتكر الشبكة العالمية، تيم بيرنرز لي، هذا السؤال وهو جالس في مكتبه في أحد أقسام جامعة أوكسفورد البريطانية، كانت إجابته حاضرة، فقد رأى أن الإنترنت لم يفشل تمامًا، إنما "فشل في بناء المجتمع الإيجابي البنّاء الذي طمح الكثيرون لتحقيقه".

لو سألنا مخترع الإنترنت هذا السؤال قبل عشرين عامًا، فإن إجابته ستكون ساخرة، على الأرجح، فلم يخطر بباله سوى أن فكرته الإبداعية ستحول العالم إلى مكان أفضل. كتب في سيرته الذاتية في أواخر تسعينيات القرن الماضي، إن "متابعتي لآلاف المبادرات والنّشاطات الشعبيّة، التي قدّمها الناس للمساهمة في تطوير الشبكة، تعطيني أملًا هائلًا بأننا نستطيع، بشكل جماعي، بناء عالمنا بالطريقة التي نريد".

ومنذ سنوات قليلة فقط، رأى مُعظم مستخدمي الإنترنت أنّه ابتكارٌ جميل، مكّنهم من التواصل مع أصدقائهم وشكّل لهم مدخلًا لكميات هائلة من المعلومات وأشعل فيهم روح المبادرة للإبداع، وساعدهم، أيضًا، على تقويض الأنظمة الاستبدادية وأشياء أخرى كثيرة قدمت فيها الشبكة نموذجَ نجاحٍ هائل. إلّا أنها تتعرّض، في الآونة الأخيرة، لانتقاداتٍ واسعة النطاق شملت حتّى مبتكرها بيرنرز لي.

وسيناقش هذا المقال تحوّل الإنترنت لمنصة أكثر "مركزية" مما كانت عليه قبل عشر أعوام. فبالنظر إلى واقعنا الحالي، فإن هناك عددًا محدودًا من الشركات العملاقة التي تهيمن على معظم النشاطات التي يجريها الناس على الإنترنت، ابتداء من "فيسبوك" الأميركية ووصولًا إلى تينسنت الصينية.

ووصف المؤرّخ نيال فيرغسون هذه الظاهرة في كتابه الأخير "الميدان والبرج"، بأنها "اختراق شبكة علاقات جديدة ومُخلة بالنظام السائد، عن طريق إخضاعها للهرمية"، وهو نمط لديه سوابق تاريخية كثيرة، من اختراع أول آلة طابعة وحتى الثورة الصناعية.

وبالمنطق ذاته، وبخلاف ما كان عليه، فإن الإنترنت يخضع، اليوم، للسّيطرة الصارمة والمراقبة. عندما اقتصرت طُرق الدخول إلى الشبكة على أجهزة الحاسوب المكتبية والمحمولة، كان من السهل على مستخدميه أن يكتشفوا أمورًا جميلة وخدمات جديدة مذهلة واختبارها من تلقاء أنفسهم.

لكن الدخول إلى الشبكة في وقتنا الحالي، أصبح منوطًا بالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية (تابلت) وغيرها من الوسائل الحديثة المختلفة، التي تعمل على حصر المستخدمين بمساحات مُحدّدة ومحدودة، بنمط يُشبه "الحدائق المسوّرة"، أي الباحات الجميلة الخضراء المحاطة بسور يحجب من بداخلها عن العالم الخارجي.

ويستطيع مصمّمو أنظمة تشغيل الهواتف المحمولة، أن يحدّدوا البرامج والخدمات المتاحة لمالكي هذه الهواتف عبر متاجر التطبيقات. ويستطيعون، أيضًا، السّيطرة على أهواء المستخدم، عبر الحوسبة السحابية التي تقوم على منح جهات خارجية، القدرة على إدارة التطبيقات المختلفة والمعلومات المرتبطة بها.

وفي أثناء حصول ذلك، فقد شدّدت الحكومات سيطرَتَها على أجزاء كبيرة من الشبكة، وغالبًا ما تستخدم شركات الإنترنت العملاقة كأجهزة تنفيذية له، من خلال إجبارها على حجب المحتوى الذي لا ترحب به مثلًا.

ويمثل الواقع الحالي للشبكة، ما لم يرغب به رواد الإنترنت الأوائل. فقد نصّت أوّل رسالة أرسلوها بهدف التعريف عن الإنترنت في 29 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1969، على أن الشبكة حديثة الإنشاء "تنحاز لصالح اللامركزيّة السلطويّة وحريّة التصرّف".

وكان أحد أهدافها الأساسية يكمن في تمكين الحواسيب والشبكات المختلفة من التواصل بين بعضها البعض بحالة عدم توفّر الرّوابط المركزيّة، انطلاقًا من التوتّر العسكري التي شهدته تلك الفترة، جرّاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتيّ والولايات المتحدة.

وبعد مرور فترة من استخدام الشبكة بشكلها البدائي دون رقابة، قام مبتكر الإنترنت بشكله المتطور، بيرنرز لي، بتأسيس قاعدة من البرتوكولات والمبادئ، استُكملت، لاحقًا، عبر مساهمات من مؤسسات مختلفة طوّرت هذه المفاهيم وأسّست لبرامج مختلفة يرتكز عليها نموذج الشبكة التي نستخدمها في وقتنا الحالي.

وتلخّصت فلسفة الجمعية الدولية الرائدة في تطوير هذه المفاهيم (آي إي تي إف)، بكلمات أحد مؤسسيها، ديفيد كلارك: "نحن نرفض الملوك والرؤساء والتصويت. نحن نؤمن بالإجماع الكامل والشيفرة المتسلسلة".

وحثّت القواعد التقنيّة "المنفتحة"، بالتّعاون مع الإدارة المرنة للإنترنت، مستخدميه، على إطلاق موجة غير مسبوقة من الإبداع والابتكار. ومنذ منتصف التسعينيّات، أُنشئت ملايين المواقع الإلكترونية، وعشرات آلاف الشركات الناشئة. واستمر هذا النشاط "اللامركزي" بالتطور بشكل مستمر، وأحد الأمثلة على ذلك، تجلّى بالمدوّنات التي انتشرت بشكل واسع جدًا. ونجح مستخدمو الإنترنت بتحقيق آمال بيرنرز لي، الذي أراد أن يتواصل مستخدموه بين بعضهم البعض وأن ينشروا المواضيع المختلفة على منصّاته، بهدف "خلق محادثات افتراضية رائعة".

وبالرّغم من أن الاتصالات الناقلة للمعلومات ما زالت موجودة تمامًا كالبروتوكولات، فإنّ منصّة الإنترنت قد تحولت اليوم إلى "وحش".

فإن التوسّعات التي أحدثها الإنترنت قد فاقت الشبكة الأصلية بكثير، لتشمل ملايين الهواتف الذكية والأجهزة المختلفة ومصانع بحجم ملاعب كرة قدم مخصصة للحوسبة السحابية وتحتوي على كميات لا يُمكن تخيّلها من المعلومات.

وتُذكّرنا مركزيّة الإنترنت وتصاعد أهمية المعلومات وجمعها، بما أطلق عليه الباحث في جامعة ماريلاند، فرانك باسكويل، وصف "الانقسام الجيفرسوني الهاملتوني" بين منتقدي التكنولوجية الضخمة. حيث أن المجموعة الأولى (الجيفرسونيّة) تؤمن بالتوجه التقليدي لتوماس جيفرسون، وهو أحد الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة الأميركيّة، الذي دعا إلى إقامة الحكومات الصّغيرة بين الولايات الأميركيّة المختلفة والتقليل من مركزية القوة الاقتصاديّة. ويريد حاملو هذا الفكر كبحَ جماح عمالقة التكنولوجيا من خلال إخضاع الشركات لقوانين أكثر صرامة والتعامل معها بسياسات شديدة لمكافحة الاحتكار، حتى لو استدعى ذلك تفكيكَها.

المجموعة الثانية أفكار مؤسسٍ ثانٍ للولايات المتحدة، "الأب" ألكسندار هاميلتون، الذي كان يدعم إنشاء مؤسسات مركزية قوية سياسيًا واقتصاديًا. ويظن هؤلاء أن من أجل الحصول على فوائد أكبر من الذكاء الاصطناعي وتوزيعها بشكل عادل، يجب التعامل مع الشركات التكنولوجية الضخمّة كمرافق لتنفيذ ذلك.

ويُساعد هذا التأطير على فهم ردود الأفعال تجاه مفهوم المركزية بشكل عام. وتقلق المجموعة "الجيفرسونية" من أن يؤدي تركيز الإنترنت بأيدي بعض العمالقة، إلى انخفاض المبادرات الإبداعية والابتكارات الصغيرة بسبب احتكار شركات قليلة للسّوق، فرغم أن هذه الشركات مصدر لابتكارات كثيرة، إلّا أنها تُحبطها بالمجالات التي لا تهمها، بحيث أنها تُقلل إجراء التجارب الجديدة.

ويخشى رجال الأعمال من الاستثمار بالقطاعات التكنولوجية التي تُسمى بالـ"مناطق الميّتة"، بسبب احتماليّة وجود بعض اللاعبين الكبار الذين من الممكن أن "يعتصروا" الحياة من الشركات الناشئة أو أن يشتروها بأسعار منخفضة.

وتُسبب التبعات السياسية لمركزية الإنترنت المتزايدة، تعقيدات أعمق حتى وإن لم تكن ظاهرة.

وتؤدي "الحدائق المسوّرة" إلى تحديد حرية التعبير، كمحاولات "فيسبوك" بلعب دور الشرطي على منصّتها الاجتماعية.

إن تركيز رزم معلوماتية شخصية ضخمة في مكان واحد، يرفع من احتمال حصول تسريبات كبيرة، وأحد الأمثلة على ذلك، فضيحة "فيسبوك" الأخيرة بعد أن حصدت شركة الاستشارات السياسية "كامبريدج أنالاتيكا" بيانات 87 مليونا من مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي الأوسع انتشارًا، بطرق ملتوية.

ومع ذلك، فإن هناك بدايات جديدة تلوح بالأفق لأتباع التوجه "الجيفيرسوني"، حيث أن الشركات الناشئة اليوم التي تعتمد غالبيتها على تقنية سلسلة الكتل "بلوكتشيين" تدفع باتجاه إلغاء مركزية الإنترنت وإرجاعه إلى مساره الانفتاحي الأولي، انطلاقًا من طبيعة التقنية التي تعمل على توزيع عدد ثابت من الأطراف الإلكترونية - "دفتر الأستاذ" كالتي أسست لفكرة العملات الرقمية.

الناحية الأخرى، فإن المنتمين للفكر "الهاملتوني" يعتقدون بأن عدد مستخدمي الإنترنت سيتناقص بشكل كبير جدًا لولا الخدمات المجانية والمنصات السهلة التي توفرها شركات مثل "جوجل" و"فيسبوك"، بالإضافة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يكن ليتطور دون اعتماده على الحوسبة السحابية التي تسمح للشركات بحصد كميات هائلة من البيانات الرقمية ومن بينها المعلومات الشخصية لمستخدمي خدماتها.

بالإضافة إلى أن وضع السيطرة على الإنترنت بين أيدي عدد صغير من الشركات الجبارة، تُمكنهم من محاربة أفكار "اللاسلطويين" الذين يهابهم أتباع هذا الفكر بشكل كبير، كالـ"جريمة" الإلكترونية وخطابات "الكراهية".

ووجد هذا التقرير عبر تحليله لمسار الإنترنت التاريخي بالتحول إلى شبكة أكثر مركزيّة، أنه من أجل تفكيك البنية الحالية، نحتاج للملائمة بين طموحات الأكاديميين التابعين للمعسكرين، "الجيفرسوني والهاملتوني"، بالإضافة إلى أنصار الفكرة الأولية للإنترنت. ليس هناك حلول وسط.






التعليـــقات

اعلان خارجي
 
طقس فلسطين

أوقات الصلاة
الفجر 04:12
الظهر 12:46
العصر 04:27
المغرب 07:44
العشاء 09:20
استفتاء السلام
من يتحمل مسؤولية ارتفاع الخضار والفواكه في الاسواق الفلسطينية ؟
0
0
0

ينتهي التصويت بتاريخ 24/07/2018

ماذا تفعل عند ابتلاع طفلك جسما غريبا؟
تلفزيون السلام- فلسطين: قالت الرابطة الألمانية لأطباء التخدير إن بعض الأطعمة كالفول السوداني والعنب والحلوى، بالإضافة إلى ...
دراسة حديثة : انجاب المزيد من الأطفال يزيد من خطر الاصابة با ...
تلفزيون السلام ـ فلسطين : أجرى باحثون من جامعة سول في كوريا الجنوبية، دراسة حديثة توصلوا فيها  ...
أمراض تنتقل من الأم لابنتها
تلفزيون السلام - فلسطين : يمكن التنبؤ أحيانا بصحة الشخص من الحالة الصحية لأمه، حيث كشف الخبراء ...
النظام النباتي.. 'المعيار الذهبي' لخفض الكوليسترول
تلفزيون السلام- فلسطين: تعتبر المستويات المرتفعة للكوليسترول سبباً مؤثراً في الإصابة بالكثير من الأمراض، مثل ألزهايمر و ...
كيف تحافظ على الأدوية داخل السيارة صيفا؟
تلفزيون السلام- فلسطين: حذّرت الصيدلانية الألمانية غابرييلا أوفرفينينغ من تعرض الأدوية لأشعة الشمس الساطعة عند اصطحابها في ...