حماس وايران وتركيا أردوغان ... تعقيدات السياسة وغياب الاستراتيجيا.!!
الثلاثاء | 03/09/2013 - 09:26 مساءاً
حماس وايران وتركيا أردوغان ... تعقيدات السياسة وغياب الاستراتيجيا.!!

المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

الكاتب: د. أحمد يوسف
لعبة السياسة غاية في التعقيد والضبابية، وهي أشبه بحالة من يمشي مبتلاً على حبل مشدود، واخطاؤها قاتلة، وربما تنحرف بمجرى العلاقة الى 180 درجة يدفع ثمنها غالباً من ارتكب الخطأ أو الطرف الضعيف، وأحياناً تكون عاقبة الأمر خُسرى على الطرفين.

إن علاقات حركة حماس مع إيران وحزب الله كانت في الثمانينيات وشطر من التسعينيات بالغة الحساسية والحذر, حيث إن قيادات الحركة كانت عينها على السعودية ودول الخليج, لأن معظم الدعم الذي كان يصل الحركة يأتي - وبشكل غير رسمي - من هناك, وبالتالي كان من الصعب الاقتراب كثيراً من إيران أو حزب الله.

لكلِّ ذلك، حاول الإيرانيون التواصل مع الحركة عبر إغراءات لغة الدعم المالي، وأيضاً من خلال الرؤية السياسية التي ترى في اسرائيل عدواً مشتركاً للأمة الاسلامية.. كانت التهديدات التي تطلقها القيادات السياسية وملالي الثورة الإسلامية ضد اسرائيل من الجسارة والقوة بحيث أخذت التيارات الإسلامية في الساحة الفلسطينية تنشدُّ بشكل كبير للسياسة الإيرانية, وبالتالي أصبح تجاهل إيران في معادلة الصراع مع اسرائيل أمراً لا يمكن القفز عنه، وهذا معناه ضرورة التعاطي معها برغم حساسية الخلاف المذهبي وتباين الرؤية حول الأجندة الإيرانية من حيث الدواعي والدوافع, خاصة وأن إيران؛ الجمهورية الإسلامية، ما يزال يتم النظر إليها من زاوية طموحاتها وأهدافها في تصدير الثورة، والتي أوجدت حالة من الخوف والقلق في معظم دول الخليج العربي.

مع وصول حركة حماس للحكم في يناير 2006م, تغيرت معادلة العلاقة إيجابياً باتجاه إيران, لأن تفكير حماس وحساباتها كحركة اختلف بشكل كبير عن حساباتها كحكومة لها التزامات مالية وحتى سياسية ضخمة، وتحتاج لدولة مركزية كإيران تشفي غليل حاجتها للمال والسلاح.
لقد خطت حركة حماس خطوة استراتيجية واسعة باتجاه إيران أثرت - فيما بعد - على علاقاتها بدول الخليج وخاصة السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

وبالرغم من أن الحكومة التي شكلتها حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية في يناير 2006م حاولت توضيح موقفها من حيث حرصها على الحفاظ على مسافات متساوية في العلاقة مع دول المنطقة, إلا أن الدول الخليجية - وخاصة السعودية - ارتأت بأن حماس شبَّت عن الطوق، وألقت بنفسها في الحضن الإيراني كحركة الجهاد الإسلامي التي أسسها الشهيد د. فتحي الشقاقي في منتصف الثمانينيات.

ومع اخفاق جهود الوساطة السعودية بفشل اتفاق مكة وعودة الفلسطينيين الى ساحة الاقتتال الداخلي, والتي حسمتها الأحداث الدامية في 14 يونيه 2007, حيث وقع الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة, الأمر الذي اغضب السعودية وجعلها تتخذ موقفاً بقطع العلاقة مع حركة حماس والتعامل فقط مع السلطة في رام الله.

لم تُجدِّ كل المحاولات التي قامت بها حركة حماس وحكومتها لرأب الصدع مع المملكة, ولم تثمر مساعيها المتكررة عن طريق رئيس مكتبها السياسي الأستاذ خالد مشعل أو بعض الأطراف العربية لتوضيح موقفها تجاه ما جرى من أحداث دامية أدت إلى إفشال ما تمَّ التوقيع عليه في مكة في فبراير 2007م بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، الأمر الذي اعقبه ترتيب استراتيجيات الحركة لتأخذ علاقاتها مساراً أقرب لتوثيق السياسات مع إيران وحزب الله، وحتى مع تركيا أردوغان.

لا شك بأن الحاجة للمال والسلاح لتسيير أمر الحكم وتعزيز الدفاعات لصدِّ العدوان الاسرائيلي المتكرر على قطاع غزة, عاظم من حجم الارتباط بإيران وحزب الله, حيث إن البدائل الأخرى كانت محدودة, والحالة المصرية كانت هي الأخرى - برغم جهودها المشكورة - تبدو أكثر ميلاً تجاه الرئيس أبو مازن والسلطة في رام الله.

لقد فرضت الأعباء الكثيرة على كاهل الحكومة في غزة، والتزاماتها المتعددة تجاه الشعب الفلسطيني، وضيق الفرص في تحقيق اختراقات داخل الساحة العربية، واقتصار مشاهد الدعم على ما تقدمه الجمهورية الإسلامية من مساعدات مالية، إلى أن تبدو حركة حماس وحكومتها في المشهد الإقليمي وكأنهما مُسيّرتان من قبل إيران.!!

إن الحقيقة التي نعلمها ولا يختلف عليها كل ما هو معني بمتابعة شأن تلك العلاقة بين إيران وحركة حماس، هي أن هناك حالة من التقاء المصالح (Mutual Interest) اعطت لإيران مثل هذا التميز في العلاقة على حساب الدول العربية الأخرى، والتي آثرت الابتعاد عن حركة حماس، استجابة لطلبات أمريكا وضغوطات الكيان الإسرائيلي.

حاولت حركة حماس أن تنجو من مشهد أنها مسيّرة من قبل إيران وذلك بالانفتاح على قطر, والتي ظل أميرها – السابق - الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سخيّاً في عطائه لدعم الحاجات الإنسانية للشعب المحاصر في قطاع غزة، وكذلك في إعادة ترميم البنى التحتية والعمرانية التي دمرتها إسرائيل خلال عدوانها المتكرر على القطاع.

وفعلاً؛ حاولت قطر - كذلك - أن تلعب دوراً إيجابياً تجاه تسويق حركة حماس وحكومتها وخاصة في حكومة الوحدة الوطنية، إلا أن جهودها اصطدمت بتعقيدات الصراع الفلسطيني الداخلي، ورغبات السلطة في رام الله أن تظل حركة حماس تظهر في المشهد الدولي أنها حليف إيران التي يناصبها العالم الغربي العداء، كما أن معظم دول المنطقة - وخاصة الخليجية منها - لها تحفظات قوية على أي شكل من أشكال العلاقة أو التحالف معها.
باختصار؛ كان البعض يدفع باتجاه شيطنة حماس (Demonization) وابقاءها معزولة، وأن فضاءها الوحيد التي يمكنها التغريد فيه هو إيران.

تركيا أردوغان: الحضن الدافئ لفلسطين
أدركت حماس أبعاد مخططات خصومها السياسيين الذين عملوا على عزلها عن محيطها العربي وحصر علاقاتها بإيران؛ الدولة التي لها اشكاليات تاريخية مع العالم العربي.. لذلك, حاولت قيادة الحركة ممثلة برئيس مكتبها السياسي الأستاذ خالد مشعل التوجه إلى العمق الإسلامي الذي تمثل تركيا أردوغان مظلة القيادة فيه، بهدف الاحتماء به وتوسيع فضاء علاقاتها الإقليمية.. لقد نجحت الحركة إلى حدٍّ ما في إيجاد مثل هذا التوازن في العلاقة، لتصبح في دائرة علاقاتها الدولية تتكئ على ثلاث قوى اقليمية، هي: إيران وتركيا وقطر, إضافة لعلاقاتها الوطيدة – آنذاك - مع كل من سوريا والسودان واليمن.

في الحقيقة, اعطت متانة العلاقة مع تركيا أردوغان لحماس هيبة واعتباراً, وخاصة أن تركيا أردوغان فرضت احترامها – حينئذ - على كلًّ من مصر والسلطة الفلسطينية، وشرعت في مساعيها الحميدة لجمع الصف الفلسطيني، وذلك من خلال دعمها - في الوقت نفسه - للرئيس أبو مازن سياسياً ودبلوماسياً، إضافة لتعزيز خريطة التفاهمات التي أوجدتها في علاقاتها مع كلٍّ من مصر والسعودية.

الملف السوري: الخلاف ونقطة الفراق
كان المشهد الذي تعيشه المنطقة مع ثورات الربيع العربي, أن ما وقع في تونس وليبيا ومصر واليمن هي تحركات شعبية ضد كافة أشكال الظلم والقهر والاستبداد الضارب أطنابه منذ عدة عقود, وقد انتصرت إرادة تلك الشعوب أخيراً على تلك الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة, وقد كان الدعم الذي قدمه الغرب - معنوياً ولوجستياً - هو المعجل (Catalyst) بلا شك في انتصار تلك الثورات.

عندما اندلعت الثورة السلمية في سوريا, تحركت حركة حماس لتقديم واجب النصيحة لحليفها الرئيس بشار الأسد، والذي كانت تجمعها به صداقة مميزة, وعلى المستوى الاستراتيجي كانت هناك تفاهمات وتعاون وتنسيق غير مسبوق بينهما.

اجتهدت قيادة حركة حماس على استنقاذ الحالة السورية من عواقب وعقابيل ما جرى في دول المنطقة؛ لأن سوريا الدولة كانت فضائلها على الحركة لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأن خسارة سوريا الأسد سوف يكون لها تداعيات سلبية كبيرة على الحركة, حيث إن مقر قيادة الحركة موجود في دمشق, والثقل السياسي والأمني لها ليس بعيداً عنها.

ومنذ اللحظات الأولى للتحركات السلمية في درعا - ولأكثر من ثلاثة شهور - والحركة تسعى لرأب الصدع ومحاولة اقناع النظام بضرورة اجراء إصلاحات لنزع فتيل الاحتقان والغضب في الشارع السوري، ولكن دون جدوى, إذ قرر النظام – للأسف - اللجوء إلى الخيار العسكري واعتماد الحل الأمني.
لم تمتلك حركة حماس وقيادتها مع تلك التطورات الدامية لاقتلاع الثورة بالقوة المسلحة إلا مغادرة سوريا، الامر الذي أثرَّ على علاقاتها السياسية مع ايران.

لجأت إيران إلى تصعيد التوتر مع حركة حماس عبر ممارسة الضغوط المالية عليها, وذلك بتأخير وصول الدعم الذي اعتادت علي تقديمه لحركة حماس، وفهمت حركة حماس الرسالة, ولكن موقفها ظل محافظاً على مبدئيته، وأن ما يجري في سوريا هو ثورة شعب يطالب بالإصلاح والتغيير والديمقراطية, وأن قصة المؤامرة التي يحاول البعض تسويقها أمرٌ مبالغٌ فيه.

في لقاء جمعنا مع وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو وأكثر من 50 شخصية إسلامية من العالم العربي على هامش مؤتمر "التحول من الدكتاتورية إلى الديمقراطية"، في استانبول بتاريخ 7 أكتوبر 2011م، تناول فيه د. داود أوغلو خلال كلمته الزيارة التي قام بها إلى سوريا ولقائه بالرئيس بشار الأسد، حيث استمر الحديث الأخوي بينهما حوالي ست ساعات، حاول فيها د. داود أوغلو اقناع الرئيس بشار بما ينتظر سوريا من كوارث اذا استمرت على موقفها الرافض للمطالب الشعبية بإجراء الإصلاحات، وأن الذي يجري في المنطقة ليس عملية تآمريه ولكنها شعوب تتحرك مطالبة بالتغيير, وإن بإمكان سوريا تجاوز مرحلة التحول تلك بأقل الخسائر.

للأسف, لم يتمكن د. داود أوغلو من اقناع القيادة السورية بالمخارج والحلول التي تقدمت بها تركيا, واصرَّ الرئيس بشار على موقفه بانتهاج الحل الأمني.. لذا أشار وزير الخارجية في لقائه الخاص بالقيادات الإسلامية التي التقاها، أن التسليم بفكرة المؤامرة تعني أن كل ما حدث يخضع لهذا الاعتبار, في حين أننا نرى أن إرادات الشعوب هي التي تحركت بعفوية, وأن الجميع قد تفاجأ بذلك؛ الأنظمة والحكومات الغربية, وبالتالي فإن سياقات المنطق بأن الذي جرى في المنطقة ليس مؤامرة على الاطلاق، بل هو - بشكل عام - مطالب مشروعة لشعوب تواقة للحرية والكرامة الإنسانية.. السؤال الذي يطرح نفسه كما يقول البعض: لماذا تريد منّا إيران وحزب الله التسليم فقط بأن ما يقع في سوريا إنما هو "مؤامرة" للإطاحة بالنظام السوري وبمعسكر الممانعة الذي يمثل بشار أحد أركانه..!!

ومع استفحال المواجهة بين النظام والثوار في سوريا، ودخول حزب الله على خط دعم بشار الأسد وخاصة في معركة القصير, حيث ازدادت الأمور تعقيداً ليس فقط مع إيران بل حتى مع حزب الله حليفها الاستراتيجي بالمنطقة.

لقد اضحت العلاقة السياسية مع إيران وحزب الله - من وجهة نظر البعض - تفتقر إلى المبادئ والأخلاق يتوجب على حماس الابتعاد عنها.. ومع وجود تركيا على خط آخر داعم للثورة والثوار, أضحت حركة حماس في موقف لا تحسد عليه, أي بين نارين؛ إيران وحزب الله المؤيدين - سياسياً وعسكرياً - لسوريا الأسد من جهة, وتركيا الداعمة للجهود الدولية لنصرة الحراك الشعبي والثورة هناك من جهة أخرى.

ماذا تفعل حماس، وأين تقف.؟ فكل الأماكن هي أشبه بحافة الهاوية, ولن تنجو من الخسارة، حيث إن الحسابات مكلفةً تجاه أي موقف أو سياق؟
إذا تكلمت قياداتها لصالح الثورة والثوار فسوف تخسر وتدفع الثمن غالياً في علاقاتها مع إيران وحزب الله, ولن تكسب إلا القليل مع تركيا, أما باقي دول الخليج المؤيدة للثورة فأبوابها – للأسف - مؤصدة باتجاه حماس..!!

واذا غضت تلك القيادات الطرف عما يحدث والتزمت الصمت تجاه ما يجرى، ولم تنتصر أو تدافع عن مواقف إيران وحزب الله فسوف تحدث معها قطيعة، وستدفع حماس - الحركة والحكومة – ثمن ذلك غالياً.. خياران؛ أحلاهما مرُّ!!

حماس: أزمة السياسة وتعقيدات المشهد
إن حركة حماس كانت ترقب حركة الشارع العربي والتحولات الجارية فيه, وكانت في الوقت نفسه عيونها على مواقف الدول التي لها علاقات استراتيجية معها، مثل: إيران وتركيا من جهة, وهناك أيضاً مصر وقطر التي تمثل كل منهما لاعباً مهماً في الشأن الفلسطيني، وحساباتها ليست مغيبة أو بعيدة عما يحدث في سوريا.

كانت الاتهامات توجه لحركة حماس بأنها تخلت عن إيران حليفها الاستراتيجي لصالح حليفها الأخر أردوغان، وما يمثله مع دول الخليج من توجهات تقود خط التحريض ضد سوريا.
كان ابتعاد حركة حماس عن سوريا موقفاً لا يلومها عليه أحد, ولكن ما ترتب على ذلك هو حالة من الفتور أصابت علاقاتها بإيران، وهذا – بحد ذاته - يعتبر كلفة كبيرة على الحركة، وخاصة في الوقت التي تراجعت فيه أشكال الدعم المالي بشكل عام عن الحركة.

ومع استغراق تركيا أردوغان في تبعات الملف السوري لوجستياً وإغاثياً وسياسياً وأمنياً, لم يعد لدى الأتراك الكثير الذي يمكن أن يقدموه لحركة حماس, وبالتالي أضحت حركة حماس - من وجهة نظر البعض - بدون الحاضنة الإيرانية، وبدون ظل كافي لمظلة الحماية السياسية لتركيا أردوغان.. لا شك أن هذا الواقع المأزوم في علاقات حركة حماس بإيران قد أربك حساباتها, ودفعها لإعادة النظر في ترتيب أولوياتها, حيث إن ساحة العمل السياسي في المنطقة لا تبشر معطياتها بالكثير من التفاؤل والأمل, وخاصة مع غياب حالة الاستقرار واستمرار الصراع الداخلي داخل الساحة المصرية, وتراجع منسوب مخرجات الربيع العربي إلى مستويات من الانتكاسة والفوضى والاضطراب.

لكل ذلك, ريما وجدت حركة حماس الطريق لإعادة بناء وتمتين العلاقة مع الجمهورية الإسلامية على أسس من المصالح المشتركة التي تحكمها المبادئ والتفاهمات.. من هنا, جرت عدة لقاءات بين حركة حماس وإيران لجسر هوة المواقف التي تباعدت بينهما، بسبب أجواء الخلاف المتلبدة بغيوم الملف السوري.. ولكن مع توفر القناعة لدى الطرفين بأن العلاقة بينهما هي في مصلحة كل منهما, وهي حتميّة يتوجب الحفاظ على استراتيجياتها؛ لأن الكثير من دول المنطقة هي في طريقها للانسحاب من ملف المواجهة مع إسرائيل والهرولة خلف أجندات الغرب، الذي يرى في الإسلاميين خطراً على مصالحه بالمنطقة، يدفعه – مع حلفائه في المنطقة - لمحاصرتهم وكسر شوكتهم، واستهدافهم تحت ذريعة الحرب على الإرهاب.!!

حماس وتركيا وإيران :الاستراتيجيا ومتطلبات السياسة
إن ما تطمح إليه حركة حماس وتطمع فيه هو إيجاد تحالف قوي مع كلٍّ من تركيا وإيران, ويمكن أن يتمدد هذا التحالف ليصل إلى بلدان أخرى كالسودان وقطر وتونس إضافة إلى ليبيا ولبنان, ولكن المسألة لن تتم قبل انفراج الوضع في سوريا, وقبل أن تتخفف إيران من عبء التزاماتها المحرجة تجاه بشار الأسد, وهي كلفة أخلاقية عالية دفعتها إيران من رصيدها الجماهيري في المنطقة، وأيضاً من مكانتها كحركة رساليّة ارتبطت مواقفها التاريخية بدعم قوي المقاومة وبنصرة المستضعفين من أبناء أمتنا العربية والإسلامية.

في الحقيقة، إنه من الصعب على حركة حماس أن تعيش حالة التناغم والانسجام والتوافق بين متناقضين, فالخلاف القائم بين تركيا وإيران حول الملف السوري يصعب جسره, حيث يتصدى كلٌّ منهما لقيادة وتحريك مجموعة التحالف ضد الأخر, الأمر الذي يضع حماس في دائرة الحرج البالغ, وعدم القدرة على وضع رؤية استراتيجية يمكن أن تسهم بها إيران وتركيا بحظ وافر.

لذلك, ومع تعقيدات الحالة المصرية بعد عزل الرئيس مرسي, أصبح الوضع بالغ الصعوبة, وأن احتمالات قيام تحالف يمكن أن تنشدَّ له القوى المركزية الثلاث بالمنطقة؛ مصر وتركيا وإيران تجاه الوقوف في وجه المخططات الإسرائيلية أقرب لعملية قطف الأوهام، وأشبه بحالة استنبات البذور في الهواء.
إن حركة حماس تمر بظروف قاسية، ورياح التمكين لمشروعها الوطني غير مواتية, حيث أربكت أحداث سوريا الدامية حسابات الجميع, وغيرت خريطة التحالفات, وأضحى من الصعب التكهن إلى أي مدى ستكون عمليات الربح والخسارة لهذا الطرف أو ذاك.

إن المنطقة مقبلة على تقلبات صعبة, وسندفع نحن الفلسطينيين فاتورة عالية القيمة من أرضنا وكرامتنا وحقوق شعبنا, وسنعض أصابع الندم للتفريط بوحدتنا وإنهاك قوتنا, وتكريس واقع الانقسام وتركه يتجذر في النفوس, وتفويت فرص تحقيق المصالحة بسبب تشبث كل طرف بشروطه ولاءاته.
إننا كفلسطينيين لسنا اليوم في موقع يمكننا فيه أن نملي على الأخرين ما نرجوه من رغبات أو اشتراطات, بل علينا التعاطي بحكمة حتى مع ردّات الفعل, حتى لا نجد أنفسنا وحيدين في الميدان, وإذا حمى الوطيس أدركنا أننا في ساحة الهيجا بغير سلاح.

ختاماً: التحالفات سيف ذو حدين
قبل الربيع العربي كان هناك معسكران, الأول معسكر الممانعة والثاني الموالاة, وكان بالإمكان التخطيط ورسم السياسات في سياق هذا التحالف أو ذاك.. أما اليوم, فإن هناك خلطاً للأوراق وتداخلاً في الالتزامات وصنع التحالفات, كما أن الربيع العربي وحراكه الشعبي أضحى موضع تساؤل وتلاحقه الشكوك, وعاد البعض ليطرح بقوة التفسير الذي أجهضناه ووأدنا مقولة قائليه في المهد, وهو: هل حقيقة أن كل ما تمَّ من ثورات كان مجرد "مؤامرة" حيكت بليل، وكان هدفها هو كشف الإسلاميين وتسريع الإجهاز عليهم قبل أن تمنحهم صناديق الاقتراع الفوز بالأغلبية، وتمكنهم من تصدر مواقع السلطة والحكم عن جدارة واقتدار؟!!

ربما كان الإيرانيون أول من أشار إلى فكرة المؤامرة, أما الأتراك فرؤيتهم كانت أن ما يجرى إنما هو فعل ثوري انضجته ظروف القهر السياسي ودفعت للتسريع به مظالم الأنظمة المستبدة, أما نحن في الساحة الفلسطينية فكانت قراءة البعض منا للأحداث ليست بذات العمق والبصيرة، حيث غلبت علينا استطلاعات السماء بأن ما نشاهده إنما هو "عارضٌ ممطرنا"؛ وستحملنا بُشرياته إلى حيث التخلص من الاحتلال, والتعجيل بقرب ساعة التحرير والعودة وتحقيق حلم شعبنا العظيم في الدولة الحرة المستقلة.!!

لقد نجحت حركة حماس في إدارة علاقات دولية ذات بعد استراتيجي مع كلٍّ من تركيا وإيران, ليس فقط كون كلُّ واحدة منهما هي من بين أهم ثلاث دول مركزية بالمنطقة، ولكن باعتبار ما تمثله من قيادة سياسية لأهم معسكرين في العالم الإسلامي؛ الأغلبية السنيّة (90%)، والأقلية الشيعية (10%).

لقد تمكنت حماس بهذا التحالف مع كلٍّ من تركيا وإيران أن تجمع أطراف العالم الإسلامي وتحظى بدعم الجميع، وأن تكون جسر التواصل مع القوي الإسلامية, سنيّة كانت أم شيعية.

ومع الشرخ الذي أحدثه الملف السوري، وترتب عليه وضع حماس على منعطف حاد تضاربت فيه الاتجاهات وحسابات المصالح، واختلت معه موازين القوى, وأصبحت الخيارات بالغة الصعوبة، بحيث يُعطي أي اقتراب من هذا الطرف مؤشرات القطيعة أو التباعد مع الطرف الأخر, بالرغم أن كلا الطرفين على قناعة بأن حماس تحرص على حفظ عروتها الوثقى مع كلٍّ منهما بنفس الدرجة من القوة والتواصل.

إن مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي والفهم الإسلامي, هو ما يجعل حركة حماس متمسكة بجميع كيانات الأمة السنيّة والشيعية, وأن إيمانها عميق بدورها الرسالي في الحفاظ على وحدة هذه الكيانية الإسلامية, ولكن تعقيدات السياسة قد تسهم أحياناً في تغيير الاستراتيجيا وحرف البوصلة, والضياع في متاهات بحر الظلمات.






التعليـــقات

اعلان خارجي
 
طقس فلسطين

أوقات الصلاة
الفجر 05:59
الظهر 12:30
العصر 03:16
المغرب 05:34
العشاء 07:01
استفتاء السلام
هل برأيك ستجرى الانتخابات في القريب العاجل ؟
0
0

ينتهي التصويت بتاريخ 22/11/2019

تنظيف الأسنان يقي من أمراض قلبية
تلفزيون السلام - فلسطين : أشارت دراسة أجراها باحثون بجامعة إيهاوا النسائية في كوريا الجنوبية، إن تنظيف ...
شركة يابانية تقدم "بخاخا" يخفي التجاعيد ويمنحك "بشرة جديدة"
تلفزيون السلام - فلسطين : تخطط شركة مستحضرات التجميل اليابانية Kao Corporation (كاو) لبيع منتج تجميل جديد ...
انتحار طفلة بسبب هاتف محمول
تلفزيون السلام - فلسطين : أقدمت طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها 8 سنوات، على الانتحار أمام أحد ...
احذر هذه الأطعمة تزيد الصداع النصفي
تلفزيون السلام - فلسطين : يؤثر الصداع النصفي على بليون إنسان، وفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية. وتصاحب ...
8 فوائد رائعة للأفوكادو
تلفزيون السلام - فلسطين : فاكهة خضراء مصدرها أمريكا الجنوبية، وتمتاز بالمغذيات التي تحمي القلب والدماغ. ولأن ...