حاجزُ الموتِ - بقلم : ايمان فقها
الجمعة | 10/01/2014 - 12:09 مساءاً
حاجزُ الموتِ - بقلم : ايمان فقها

حاجزُ الموتِ
" أخيراً سنفطرُ برفقةِ أبي أحمد، تباً لتلكَ الحواجز التي فصلت مدننا عن بعضِها البعض"..بهذه الكلمات تنهدت أمّ أحمد، و أخذت تفكرُ ماذا ستعدّ لزوجها على الإفطارِ؟,الكبّة، وورق العنب، وقليلٌ من المشاوي, وحساءٌ، أمّا بالنسبةِ للحلوى فأبو أحمد سيأتي بها من مدينةِ رام الله.
سيأتي أبي وبيديه ملابسُ العيدِ التي طلبتُها,بدلةٌ بقميصٍ أبيضَ، لكن يا أمّي نسيتُ أن أخبرَ والدي أنّني أريدُ بارودةً كبارودةِ ابن جيراننا أيضاً، هيّا اتصلي به يا أمّي."أحمد،كفى، سنجلبُها لك يوم العيد حتّى لا تُتلفها,هيّا اذهب، واكتب ما عليك من واجباتٍ حتّى يعلم أبوك أنّك مجدّ ونشيطٌ، وأنا عليّ أن أعدّ الطعامَ قبل موعدِ الإفطارِ"، حاضرٌ يا أمّي سأذهب.
أخذت أمّ أحمد تعدّ الطعام، وتنظرُ إلى الساعةِ، قد انتهت من إعدادِ ورق العنبِ,الكبّة..كلُّ شيء جاهزٌ, أصبحتِ الساعة الخامسة مساءً، بقيَ على موعدِ الإفطارِ ساعةٌ واحدةٌ، يا الله ما سببُ تأخرِّ أبو أحمد؟، أمسكت أمّ أحمد الهاتف، وأخذت تتصلّ’ "آلو..آلو، أين أنت يا أبا أحمدٍ؟!، هناك حاجزٌ كبيرٌ يا زوجتي، يبدو أنني سأتأخرُ قليلاً، لا تخافي".
امرأةٌ اقترب موعدُ ولادتها هناك تصيحُ "أرجوكم، أفسِحوا المجال لي، سأضعُ مولودي، صرخاتٌ أليمةٌ انطلقت من فم فاطمة ، وصوت جنديّ من بعيد يقول "انتظري دوركِ أيتها البلهاء"، فاطمةٌ نزفت حتى الموتِ، جميعُ من كان هناك أصيبَ بالصدمةِ، نزفوا دموعاً، وتحسروا على ذلك الوضع.
أمامَ أبو أحمد أُناسٌ كثيرون، و إن انتظرَ دوره لن يصلَ إلا بعدَ أذانِ الفجرِ، فكّر بأمرٍ لو ذهبَ للناحيةِ الأخرى سيصلُ مبكراً، لم يكن يعلم أن الجنودَ يلتقطون أيّ شخصٍ من ذلك البرج العالي، ذهبَ مسرعاً إلى الناحيةِ الأخرى، ظنّ أنّه نجا من أوغادهم، التقط أنفاسه، وأمسك هاتفهُ يتصل بسيارةٍ تقلّه إلى بيته، فإذ برصاصةٍ غادرةٍ ترديه أرضاً، نداءٌ عاجلٌ إلى سيارة الإسعافِ، لكنّ روحه أبت إلا أن تَرتقي إلى الجنّةِ.
بقيَ على موعد الإفطار خمسُ دقائقٍ،"يا ربّ سهلّ له طريقه"، ومع قول اللهُ أكبر صوتُ سيّارة الإسعاف أصبح يدوي في أرجاء كلّ القريةِ، "يا ربّ ألطف"، ارتجفَ قلبُ أمّ أحمد، ونزلت دموعها دون أن تعلم ماذا يحصل، وأمسكت الهاتفَ تحاولُ الاتصال، مكثت أكثرَ من سبع دقائقٍ ولا مجيبَ، "أين أنت يا أبا أحمد،ٍ أخبرني"، أخذت الشائعاتُ تنتشرُ في كلّ مكانٍ، "هناكَ شهيدٌ،هناك مصابٌ لا أحدَ يعرفهُ"، صوت سيارةِ الإسعاف من بعيدٍ كأنه عائدٌ، ارتدت أمّ أحمد ملابسها بسرعةٍ، وأخذت تعدو مسرعةً لتوقفَ سيّارة الإسعافِ، لكنّها لم تستطع.
أمسكت أمّ أحمد الهاتف تتصل بالمشفى، "أريدُ أن أعلمَ من هو المصابُ الذي جاء إليكم قبل قليلٍ، سألتها الممرضة: من تكونين؟،فأجابت:أنا صحفيّةٌ، أريد أن أنشرَ الاسم"، أجابتها فلانٌ من قريةِ كذا، وقعتِ السمّاعةُ من يدها، أسرع أحمد إليها يسألها ماذا جرى؟!..وذاع الخبرُ.
استُشهِدَ أبو أحمد على حاجزِ الموتِ، طعامُ الإفطار ينتظركُ يا أبا أحمد، لكنّ الموت أسرع..أسرع، أحمد ابنُ السادسة لم يعي معنى استشهادِ أبيه، تنحّى جانباً وسأل صديقه الذي يكبره بأعوامٍ، "ما معنى أن أبي استشهدَ؟،أجابه سعيد:روحهُ ذهبت إلى السماء، ولن تراه بعد الآن، لكن بدلتي أين ذهبت يا سعيد؟،هل أخذها معه أيضاً ؟".
جلسَ أحمد بجانب أمّه، "أمّي..أمّي، أين ذهبت ملابسي؟"، حضنته وأخذت تبكي.نام أحمد ليصحو على يومٍ آخر من العويلِ والبكاء، ذهب إلى سعيد يسأله "بدلتي أين ذهبت؟ "، أجابه "أكيدٌ أنها بقيت على الحاجز، والحاجزُ ليسَ بعيداً"، "سعيد، خذني هنا، أرجوك".
ذهب أحمد برفقة سعيد إلى الحاجز، لم يلاحظ أحدٌ غيابهما، فالقريةُ جميعها مشغولةٌ بالجنازةِ، وصلا إلى الحاجز، فشاهد قائدُ الكتيبةِ وجودَ طفلين قريبين من الحاجزِ، صوّب بندقيته نحوهما وصرخ قائلاً "هيّا اقتربوا"، تقدّم أحمد دون خوفٍ، وهرب سعيدٌ قائلاً لأحمد "اهرب،اهرب يا أحمد، سيقتلوك"، قال الجنديّ لأحمد "لا تخف، لمَ جئت هنا؟ "، فأجابه "اتصل أبي بي، وقال أنه أحضر لي ملابس العيد، لكنّكم قتلتموه، وأبي ذهب إلى السماء، فأين ذهبت ملابسي؟ ".
ارتعش الجنديّ، وأمسك بيد أحمد دون أن يعلم إلى أين يذهب ؟!،، وسعيدٌ من بعيدٍ يصرخ "اتركوه، يكفي أنكم قتلتم أباه"، وصل الجنديّ وأحمد إلى المكان الذي استُشهد فيه أبوه، وأخذ يبحث هنا وهناك، فإذ بحقيبةٍ صغيرةٍ، طلب الجنديّ من أحمد أن يقوم بفتحها، وجد فيها ملابس أبيه، والحلوى، لكنه لم يجد ملابسهُ، نظرَ إلى الناحية الأخرى فرأى قميصاً أبيضَ امتزج بالأحمر، وبنطالٌ قد اخترقته رصاصةٌ ومزقته كأن أباه كان يحتضن البدلةَ، أمسكها أحمد وقال للجنديّ "انظر ماذا فعلتم في بدلتي، هذا لونُ أحمر دماء أبي، وهذا ما تبقّى من اللّون الأبيض من قميصي، وهذا ما تبقى من اللون الأسود من بنطالي، وهذه الأعشاب الخضراء، أليست هذه ألوان علم بلادي، قد علّمني إياها أبي، وقال لي "إيّاك أن تنساها يا أحمد".
لن أنساها أيها الجنديّ، ولن أنسى هذه البقعةَ من الأرضِ مهما حييتُ، فروحُ أبي صعدت منها، ولكن عندما أصبحُ رجلاً لن أترك أرواحكمُ تصعدُ إلى السماء، وأخذ ينادي على صديقه سعيد "تقدّم يا جبان، تقدّم، واحمل معي رائحة أبي".
ذهب الجنديّ مسرعاً، وخلع ملابسه، وألقى بسلاحه جانباً، وأخذ يصرخ "أعيدوني إلى بلدي، هذه الأرض ليست أرضنا، سيكبر ذالك الطفل ويقتلني، سيقتلني..سيقتلني، لن يكون لي ابناً يذكرني، ولا أرضاً ألقي عليها جسدي، لن تكون أرضُنا خضراء، ولا دِماؤنا حمراءَ، ولا قُلوبنا بيضاء، وستبقى حياتُنا سوداء..سوداء..سوداء".






التعليـــقات

اعلان خارجي
 
طقس فلسطين

أوقات الصلاة
الفجر 05:03
الظهر 12:34
العصر 04:03
المغرب 06:43
العشاء 08:05
استفتاء السلام
من يتحمل مسؤولية ارتفاع الخضار والفواكه في الاسواق الفلسطينية ؟
0
0
0

ينتهي التصويت بتاريخ 24/07/2018

اكتشاف أحدث وآمن "مفتاح" للتنحيف
 تلفزيون السلام - فلسطين : وجد علماء من مركز هلمهولنز للأبحاث في ميونيخ مادة نباتية تستخدم في ...
سماعات الأذن تهدد سمعنا
تلفزيون السلام - فلسطين : سماعات الأذن باتت جزءا من حياة معظمنا، نستخدمها بشكل يومي ومتكرر، ولكننا ...
تحذير علمي مخيف: هذا ما قد يفعله قضم الأظافر لسنوات
تلفزيون السلام - فلسطين : مثل ملايين الأشخاص، لم تتوقف كورتني ويتهورن عن ممارسة عادة قضم الأظافر ...
دراسة جديدة : للشوكلاتة فائدة كبيرة على القلب
تلفزيون السلام - فلسطين :  يتجنب الكثيرون تناول الشكولاتة بسبب الخوف من تسببها في زيادة الوزن، إلا ...
ماذا يحدث لجسم الإنسان عندما يكذب؟
تلفزيون السلام - فلسطين : يشكل الكذب فعلا مذموما في أغلب الثقافات البشرية لكن هذا الالتفاف على ...